تتواصل الحرب على غزة لتصبح الأطول في تاريخ إسرائيل، إذ بدأت في 7 أكتوبر 2023 وما زالت مستمرة حتى دخول العام 2025، مما يعكس تحولاً كبيراً في عقيدة الجيش الإسرائيلي التي كانت تعتمد على الحروب القصيرة.
ومع تجاوز مدة الحرب العام، تتزايد التساؤلات حول إمكانية انتهائها، خاصة في ظل تغير القيادة الأمريكية وتولي دونالد ترامب الرئاسة في 20 يناير المقبل.
أدت الحرب إلى دمار واسع في قطاع غزة، حيث نزح نحو 90% من سكانه، فيما باتت البنية التحتية شبه معدومة، ومستويات المعيشة تدهورت إلى حد كبير.
ورغم محاولات عديدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار خلال عام 2024، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، مما جعل التوقعات بشأن نهاية الحرب مع بداية عام 2025 غير مؤكدة.
يدعو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعدد من أعضاء حكومته إلى استمرار الحرب حتى تحقيق أهدافهم، التي تشمل القضاء على قدرة حركة "حماس" على استعادة سيطرتها على قطاع غزة.
كما يدعو بعض الوزراء إلى إعادة احتلال القطاع، وبناء مستوطنات جديدة فيه، وتشجيع السكان على الهجرة.
في المقابل، يرى معارضو الحرب في إسرائيل، بمن فيهم قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي، أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة الرهائن الإسرائيليين من غزة، حتى لو كان الثمن وقف الحرب.
ويعتبر هؤلاء أن الجيش الإسرائيلي قد حقق أهدافاً كبيرة، منها القضاء على القيادة العسكرية لحركة "حماس"، مما يجعل استمرار الحرب غير ضروري.
تطالب الحركة بإنهاء الحرب بانسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من قطاع غزة، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، ورفع الحصار المستمر منذ أكثر من عقد.
يدعو المجتمع الدولي إلى وقف الحرب بشكل فوري، وبدء عملية إعادة إعمار القطاع، مع رفض أي وجود إسرائيلي في غزة بعد الحرب. كما يطالب بإيجاد حل دائم للأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان.
مع اقتراب تولي الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب مهامه، تزداد الآمال الدولية والفلسطينية في قدرته على إنهاء الحرب.
فعلى عكس الرئيس الحالي جو بايدن الذي لم ينجح في فرض وقف لإطلاق النار، يُعتقد أن ترامب يملك النفوذ اللازم لتحقيق اتفاق نهائي إذا أراد ذلك.
ما بين الحذر والخوف من المجهول واحتفالات حزينة، للعام الثاني على التوالي، يحل عيد الميلاد على المسيحيين في غزة المدمرة، فبيت لحم مهد المسيح، استقبلت العيد بلا "شجرة ولا بسمة".
ويتكرر المشهد للعام الثاني على التوالي في قطاع غزة، حيث يحل عيد الميلاد المجيد وسط دوي القصف وأصوات الانفجارات.
وفي هذا السياق قامت صحيفة "التليجراف" البريطانية تفاصيل حياة نحو ألف مسيحي متبقين في القطاع في ظل ظروف استثنائية، موزعين على ثلاث كنائس متبقية، أبرزها كنيسة القديس بورفيريوس التاريخية، التي تُعد ثالث أقدم كنيسة في العالم، حيث تحولت من دور العبادة إلى ملجأ للنازحين الباحثين عن الأمان.
قبل ستين عامًا، كان عدد المسيحيين في غزة يفوق العدد الحالي بسبع مرات، وقد سلطت الصحيفة الضوء على كيفية تقلص هذا المجتمع العريق تدريجيًا بسبب النزاعات المتتالية، حيث هاجر البعض إلى الضفة الغربية، فيما اختار آخرون الهجرة إلى الغرب أو الدول العربية المجاورة، في حين يشكل المتبقون اليوم مزيجًا من الأرثوذكس والكاثوليك، يواجهون مصيرًا مشتركًا في ظل الحرب المستمرة.
في الأيام العادية، كانت كنيسة القديس بورفيريوس التي تقع في الحي القديم من مدينة غزة تعج بالمصلين والزوار، وكانت تقام فيها الاحتفالات والقداديس في المناسبات المختلفة.
اليوم، تحمل لافتة بسيطة معلقة على صليب خارج الكنيسة رسالة مؤثرة: "نظرًا للوضع الحالي، لن تكون هناك احتفالات بالأعياد، مع الاحترام".
وكشف أحد الأشخاص خلال حديثه صورة تفصيلية لنمط الحياة اليومية داخل كنيسة القديس بورفيريوس، حيث يبدأ كل يوم جديد بالتحدي الأصعب، وهو البحث عن المياه.
ومع اشتداد الأزمة الإنسانية في غزة، نشأت علاقة تعاون استثنائية بين الكنيسة ومسجد كاتب الولاية المجاور، في مشهد يتجاوز الحواجز الدينية ويجسد الوحدة في مواجهة المحنة.
وتتجلى تفاصيل هذا التعاون في آلية عمل يومية منظمة، حيث وفرت الكنيسة التاريخية، التي يعود تاريخها إلى 400 عام ميلادي، محركًا كهربائيًا قويًا لضخ المياه. يعمل هذا المحرك على مدار ساعات محددة يوميًا لملء خزانات المياه التي يستفيد منها سكان المنطقة بأكملها، مسلمين ومسيحيين على حد سواء. ويصل عدد المستفيدين من هذه المبادرة إلى نحو 15 ألف شخص، في نموذج عملي للتكافل المجتمعي.
ينتظر السكان بعد ذلك تشغيل المولد الكهربائي مرة أخرى لشحن هواتفهم والتواصل مع أقاربهم في الخارج. يقول سالم للتليجراف: "نعيش في ظروف صعبة للغاية، لكننا نحاول التأقلم. نفتقد أبسط مقومات الحياة الكريمة، من نوم هادئ إلى طعام كافٍ، لكن ما يؤلمنا أكثر هو رؤية أطفالنا يحرمون من طفولتهم وفرحة العيد".
ووثقت الصحيفة خسائر فادحة في صفوف المسيحيين، حيث قُتل نحو 40 شخصًا في هجمات مختلفة على الكنائس.
وتوفي آخرون بسبب نقص الأدوية لعلاج السكتات الدماغية وأمراض القلب والالتهاب الرئوي والالتهابات الشائعة.
في كنيسة العائلة المقدسة التي تقع في حي الرمال، قُتلت امرأتان وأصيب سبعة آخرون برصاص القناصة داخل مجمع الكنيسة في الأسابيع الأولى من الحرب.
تبرز قصة رامز سهيل كمثال صارخ على المأساة، إذ في 19 أكتوبر 2023، فقد أطفاله الثلاثة وأقارب آخرين عندما أصاب صاروخ الكنيسة.
يمثل الدعم الروحي من الفاتيكان مصدر قوة للمسيحيين في غزة، إذ يحرص البابا فرنسيس على الاتصال يوميًا بكنيسة العائلة المقدسة، في مبادرة غير مسبوقة تعكس اهتمام الكنيسة الكاثوليكية بمعاناة المسيحيين في غزة.
يقول الأب كارلوس فيريرو: "كل مساء، يتصل البابا ليسأل عن أحوالنا ويصلي معنا، إنه يمنحنا القوة والأمل في أحلك الظروف".
كما لا يقتصر دور الفاتيكان على المكالمات اليومية للبابا فرنسيس، فقد زار الكاردينال بيرباتيستا بيتسابالا كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة، حيث اجتمع مع المصلين وأقام قداسًا خاصًا.
خلال الزيارة، وجه الكاردينال رسالة تضامن قوية قائلًا: "أريد أن أخبركم أن العالم كله، وليس فقط العالم المسيحي، يقف معكم. ستنتهي الحرب وسنعيد البناء". تزامنت هذه الزيارة مع انتقادات متكررة من البابا فرنسيس للوضع في غزة، خاصة فيما يتعلق باستهداف الأطفال، داعيًا إلى وقف إطلاق النار. ومنذ عام 2013، يعترف الفاتيكان بدولة فلسطين ويحتفظ بعلاقات دبلوماسية معها، كما يدعم حل الدولتين.
رغم الظروف القاسية، حاول رجال الدين إدخال بعض البهجة على الأطفال، إذ أقيمت احتفالات صغيرة وقراءات على ضوء الشموع تحت شجرة عيد الميلاد المزينة في الأيام التي تسبق العيد في 25 ديسمبر.
يقول الأب فيريرو للتليجراف: "نريد أن يكون هذا عيد ميلاد للأمل، سنقيم قداسًا رسميًا، سيكون احتفالًا هادئًا، نرفع قلوبنا إلى الله لأنه نورنا والإجابة الوحيدة هي السلام".
واقتصر الاحتفال بعيد الميلاد في غزة على أداء الصلاة داخل كنيسة العائلة المقدسة للاتين، وسط الظروف الصعبة التي يعيشها سكان القطاع في ظل الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
ونشر الموقع الرسمي للكنيسة بيانا، أشار فيه إلى زيارة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، إلى المسيحيين في غزة، الإثنين.
وترأس الكاردينال احتفال عيد الميلاد وحث الحضور على "الصمود"، وأجرى جولة تفقدية استعرض خلالها عمليات توزيع المساعدات وقيّم الاحتياجات الملحة، وفق البيان.
مع استمرار الانقسام في الآراء داخل إسرائيل، والتحديات الإنسانية في غزة، يبقى السؤال مطروحاً: هل يحمل عام 2025 نهاية لهذه الحرب الطويلة؟ أم أن الحسابات السياسية والأمنية ستفرض استمرار المعاناة؟