تداعيات سقوط نظام بشار الأسد على العلاقات الإيرانية السورية

تلقت إيران ضربة كبيرة لا يمكن تعويضُها في سوريا، عقب سقوط نظام بشار الأسد التي تمثل الركيزة الأهم لسياسة "محور المقاومة"، وذلك بعد استثمارها الكبير اقتصاديًا وعسكريًا على مدى 24 عامًا.
وهذا التأثير السلبي قد يمتد ليؤثر على وجود إيران ومستقبله في دول أخرى، مثل: العراق، ولبنان، واليمن، والبحرين.
ولذلك، لا يؤثر سقوط بشار الأسد على الوجود الإيراني في سوريا فقط، بل إنه ألحق كذلك أضرارًا جسيمة بمصالح إيران في الدول الأخرى التي تُعد جزءًا من سياسة "محور المقاومة".
والجدير بالإشارة إلى أن سياسة "محور المقاومة" هي إستراتيجية متعددة الأوجه، وضعتها الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الإيرانية، والتي تبنتها إيران بعد غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003″..
و تتعامل إيران مع مسألة نهاية حكم بشار الأسد وصعود المعارضة إلى السلطة من خلال مسارين؛ الأول يتعلق برد فعل الشعب الإيراني، أما الثاني فيتعلق بالجماعات المسلحة التي تدعمها إيران في المنطقة.

تحدياً وجودياً بالنسبة لـ"حزب الله"
حيث يشكل سقوط نظام بشار الأسد تحدياً وجودياً بالنسبة لـ"حزب الله"، الذي فقد حليفاً استراتيجياً وممراً حيوياً للإمدادات، فهذا الحدث المفصلي يحمل تداعيات عميقة، لاسيما أن الحزب اعتمد طويلاً على التحالف مع النظام السوري كجسر استراتيجي يربطه بإيران وبقية فصائل "محور المنقومة"، مما يصعب اليوم على إيران تزويده بالأسلحة عبر الأراضي السورية.
الخطاب الول للخامنئي عقب سقوط بشار
وفي خطاب ألقاه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، آية الله خامنئي، بعد سقوط نظام "البعث" بأربعة أيام، إلى جانب تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين الآخرين، ظهرت رسائل واضحة موجهة إلى الشعب الإيراني والجماعات المسلحة التابعة لإيران .
ومن خلال هذه الرسائل، أظهرت إيران أنها تعتبر أولويتها الإستراتيجية هي "كبح ردود الفعل الداخلية، واحتواء التشاؤم واليأس بين الجماعات المسلحة المدعومة منها".

وقد بدأ الشعب الإيراني يعبر عن رأيه بأن الادعاء الذي تروج له السلطات الإيرانية بشأن "قوة إيران وتأثيرها الحاسم في المنطقة" ليس سوى وهم وسراب.
و يمكن التأكيد على أن سقوط نظام الأسد تسبب في تصدعات خطيرة داخل الحرس الثوري الإيراني، وكذلك على المستوى السياسي في إيران.
ويبدو أن الحكومة الإيرانية قلقة بشدة من تأثير هذا التغيير في سوريا على المجتمع الإيراني.
ونتيجة لذلك، يُتعامل مع حالة الضعف وخيبة الأمل التي ظهرت بين الشعب الإيراني وفصائل المحور كأولوية قصوى في الوقت الحالي.
وفي خطاب ألقاه يوم الأربعاء، 11 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وجّه خامنئي أصابع الاتهام بشكل صريح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما لم يذكر تركيا بالاسم، لكنه أشار إليها كمسؤولة بشكل غير مباشر عما حدث.
وأكد خامنئي أن ما جرى في سوريا لن يضعف إيران، واصفًا من يعتقدون ذلك بـ "الجهل".
رسائل قوية من المرشد الإيراني
وفي هذا الصدد، قال خامنئي: "هناك محللون جهلة يظنون أن سقوط النظام في سوريا سيضعف إيران، ولكن بإذن الله وقوته، إيران قوية وستصبح أقوى".
إن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي تعتبره إيران أهم مكونات محور المقاومة، كان له تأثيرات مادية ومعنوية كبيرة على الجبهة.
ومن المعروف أن رحيل حسن نصر الله وغيره من القادة البارزين خلال الهجمات الإسرائيلية قد تسبب في ظهور خلافات داخلية في صفوف حزب الله.
إذ تعمقت هذه الخلافات بين المجموعات التي تضم أفرادًا من توجهات مختلفة، خاصة بعد مقتل نصر الله، حيث برزت اختلافات حول إستراتيجية حزب الله وعلاقته بإيران.
وفي ظل تفاقم هذه الخلافات داخل الحزب، يمكن القول إن "تغيير النظام في سوريا قد يعزز موقف التيار الذي يدعو إلى تبني سياسة أكثر استقلالية عن إيران، على حساب التيار المؤيد للاستمرار تحت السيطرة الإيرانية".
كذلك، يمكن أن نشهد تعزيزًا لتيار داخل حزب الله يطالب بالتركيز على الأنشطة السياسية وإعطاء الأولوية لها على حساب الأنشطة العسكرية، باعتبار ذلك إستراتيجية أكثر ملاءمة لضمان استمرارية حزب الله.

ومن المتوقع أيضًا أن تتيح التطورات في سوريا فرصة للأمين العام الجديد لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، للعمل على إعادة تشكيل الحزب بشكل أكثر استقلالية عن إيران.
من الواضح من تصريحات آية الله خامنئي وغيره من المسؤولين الإيرانيين أنه لا توجد أي نية لإقامة علاقات مع الحكومة الجديدة في سوريا في الوقت الحالي.
مستقبل العلاقات السورية الإيرانية
ويبدو أن إيران تعطي الأولوية لمعالجة الانقسامات الداخلية – التي سببها تغيير النظام السوري – داخل إيران، وداخل "محور المقاومة".
ومع ذلك، هناك معلومات تشير إلى أن إيران تواصلت مع الحكومة الجديدة في سوريا عبر أطراف ثالثة، وذلك لتسهيل عملية إجلاء المواطنين الإيرانيين العالقين هناك.
وعند سؤال أحد الصحفيين الإيرانيين عن مستقبل العلاقات الإيرانية- السورية، قال إن: "إيران لا يمكنها أن تقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا إلى الأبد، وإنها ستراقب من كثب المرحلة الانتقالية".
وأضاف الصحفي أن "إيران قد تفضل إقامة علاقات دبلوماسية مع الحكومة التي ستُشكل بعد الانتخابات، بدلًا من التعامل مع الحكومة الانتقالية الحالية".
إعلان
وفي الوقت الحالي، وبحسب العديد من الخبراء والمحللين أن علاقة إيران مع الحكومة الجديدة في سوريا ستظل محدودة وقاصرة على جهود إجلاء مواطنيها من خلال وسطاء.