عملية "الفارس الخشن".. هل تدق واشنطن مسمارًا في نعش الحوثيين؟

في مشهد مهيب تواصلت فيه غارات جوية غير مسبوقة على الأراضي اليمنية، شنّت الولايات المتحدة الأمريكية حملة عسكرية على الحوثيين في اليمن أطلق عليها اسم "الفارس الخشن"، مستهدفةً معاقل الميليشيا المدعومة من إيران.
هذه الحملة التي وصفت بأنها الأعنف منذ سنوات، تجسد مشهدًا معقدًا، حيث لا يزال السؤال القائم: هل كانت هذه الضربات فعّالة؟ وهل حققت الأهداف الاستراتيجية المرجوة؟
ماذا حققت الضربات الجوية؟

تشير التقارير العسكرية إلى أن الضربات الجوية التي نُفذت في إطار الحملة الأخيرة لم تكن كما كان يُتوقع لها أن تكون.
بينما أعلنت إدارة ترامب أنها نجحت في تدمير العديد من القدرات العسكرية للحوثيين، بما في ذلك ترسانتهم من الصواريخ والطائرات المسيرة، أفادت بعض التقديرات العسكرية السرية أن البنية القتالية للحوثيين لم تتأثر بالشكل المطلوب.
رغم ضخامة الحملة، والتي كلفت أكثر من 200 مليون دولار من الذخائر في غضون ثلاثة أسابيع فقط، إلا أن هناك من يرى أن الخطة لم تحقق نجاحًا حاسمًا في القضاء على التهديد الحوثي.
إلا أن بعض المسؤولين الأمريكيين، الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، أكدوا أن الحملة بدأت تؤتي ثمارها في المرحلة الأولى من عملياتها. حيث تمكنت الضربات الجوية من تعطيل شبكات الاتصال بين كبار قادة الحوثيين وقلصت من قدرتهم على الرد الفعّال، كما مكّنت هذه الغارات من إضعاف استجابة الجماعة للضربات المضادة. وتُعتبر هذه التطورات بمثابة تمهيد لمراحل قادمة قد تكون أكثر تأثيرًا.
وفي تأكيد على فعالية العملية، أعلنت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، أن الضربات كانت "فعالة" في القضاء على العديد من كبار قادة الحوثيين، مشيرة إلى أن العملية قد أفسحت المجال لاستعادة حركة الملاحة في البحر الأحمر.
تكلفة باهظة للأمريكيين

لكن العملية لا تأتي دون ثمن باهظ. إذ كشف المسؤولون أن تكلفة الذخائر المستخدمة في العملية وصلت إلى 200 مليون دولار فقط في الأسابيع الثلاثة الأولى، فضلًا عن التكاليف المرتفعة المرتبطة بنقل حاملات الطائرات والقاذفات والأنظمة الدفاعية إلى المنطقة.
ووفقًا لبعض التقديرات، قد تصل التكلفة الإجمالية للعملية إلى أكثر من مليار دولار خلال أسابيع قليلة، مما يعكس الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها الولايات المتحدة.
كما لم تقتصر التكاليف على الجانب المالي فحسب، بل هناك أيضًا التحديات العملياتية التي يواجهها الجيش الأمريكي. فعلى الرغم من الهجمات الجوية، عزز الحوثيون العديد من مواقعهم السرية والمخابئ، مما صعّب مهمة تعطيل الهجمات الصاروخية التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر.
هل ستنجح الحملة؟
من الواضح أن هذه الحملة تهدف إلى تحقيق أهداف إستراتيجية تشمل الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات التي تعطل حركة الملاحة في البحر الأحمر منذ أكثر من عام.
ولكن ما يثير التساؤل هو: هل ستنجح هذه الضربات في إضعاف الحوثيين بشكل حاسم؟ خاصة وأن الحملات السابقة، مثل التي نفذتها إدارة بايدن، فشلت إلى حد بعيد في تحقيق هذا الهدف.

وقد أكد بعض المسؤولين الأمريكيين أن هذه الضربات تأتي في وقت حساس بالنسبة للمفاوضات النووية مع إيران، حيث يسعى ترامب إلى إرسال رسالة قوية إلى طهران بشأن دعمها للحوثيين. بالإضافة إلى ذلك، هناك تقديرات تشير إلى أن الضربات قد تستمر لمدة ستة أشهر، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى هذا الوقت الطويل مقابل النتائج الملموسة التي تحققت حتى الآن.
التحديات المستقبلية والسيناريوهات المحتملة
وما يزال السيناريو الغامض حول هذه الحملة هو: كيف ستتطور الأمور في الأيام والأسابيع القادمة؟ فبينما يواصل البنتاغون تنفيذ ضرباته، تزداد التساؤلات حول التكلفة البشرية والسياسية للحملة. ورغم الأضرار التي لحقت بالحوثيين، لا يزال القادة الأمريكيون يواجهون تحديًا في تحديد المواقع الدقيقة للأسلحة الحوثية، التي يتم تصنيعها في مخابئ تحت الأرض أو تُهرّب من إيران.
ورغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين أشاروا إلى انخفاض هجمات الحوثيين الصاروخية على إسرائيل خلال الأسبوع الماضي، إلا أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحوثية لم تكن كافية لإحداث تحول جذري في الوضع العسكري. وتستمر الغارات الجوية في استهداف مواقع حيوية مثل مرافق القيادة والسيطرة وأنظمة الدفاع الجوي، وهو ما يشير إلى استمرار الحملة على الأقل في المرحلة الراهنة.
في الختام، تبقى عملية "الفارس الخشن" نقطة فارقة في الصراع اليمني، حيث يظهر أنها لم تحقق حتى الآن النجاح التام الذي كان يطمح إليه القادة الأمريكيون.
ورغم الضربات الجوية الضخمة والتكلفة الباهظة، تظل البنية القتالية للحوثيين سليمة إلى حد كبير، مما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه الاستراتيجية على المدى الطويل. ومع استمرار الحملة، تزداد الضغوط على واشنطن لتقديم شرح واضح عن استراتيجية المضي قدمًا في هذه الحرب التي تزداد تعقيدًا.